علي بن أحمد المهائمي
412
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
جهة العبودية التي يشعر بها كونه ابن مريم عين جهة الربوبية التي بها الإحياء ، ولا يتصور الاتحاد مع فناء الأمرين ؛ لأن الباقي أمر ثالث حدث بعد فنائهما ، ولا مع فناء أحدهما ؛ لأن الباقي لا يتحد مع الفاني ، ولا مع بقائهما بحالهما ، بل إنما يتصور ذلك بجعل أحدهما متضمنا للآخر ، ( فعدلوا بالتضمين ) أي : تضمين جهة الألوهية جهة البشرية عند القول باتحادهما ( من اللّه ) ، أي : من القول بظهوره في مظهر المسيح ( من حيث أحيا الموتى ) في هذا المظهر مع أنه لم يظهر فيه بجميع أسمائه وصفاته التي إلهيته بمجموعها لا بعضها ( إلى الصورة الناسوتية ) التي هي عين ( البشرية ) لا تنقلب إلى الألوهية أصلا ، والمظهرية ليست باعتبار هذه الصورة ، بل باعتبار الروح الذي منه ( بقولهم : ابن مريم ) إذ جعلوه وصفا للمسيح من حيث مظهريته ، وهو يشعر بغلبة هذا الوصف لهذه المظهرية على تقدير أن تفعل المظهرية ، لكن لا دخل لكونه ابن مريم في علية هذه المظهرية ، فذكره يشعر باتحاد الجهتين الموجب ستر الذات الإلهية في هذه الصورة الناسوتية البشرية ، وهو الكفر والغلط ، وكيف لا يكون قولا بتضمين جهة الإلهية في جهة البشرية ، ( وهو ابن مريم بلا شكّ ) . ولو كان التضمين لجهة البشرية في جهة الألوهية ، لكانت جهة الإلهية ظاهرة باختفاء جهة البشرية ، واختفاؤها يوجب الشك في كونه ابن مريم ، لكن لم يشك في ذلك أصلا ، ولا شكّ أن متأخريهم إنما قالوا ذلك بسماعهم إياه من قدمائهم ، ويبعد من قدمائهم القول بالاتحاد ، بل غايته أنهم قالوا هذا القول على قصد الظهور ، أي : أنه تعالى من حيث إحياؤه ظهر في هذا المظهر الذي نقول فيه : إنه ابن مريم ، ( فتخيل السامع أنهم نسبوا الألوهية للصورة ) البشرية لعيسى عليه السّلام ؛ وذلك لأنهم ( جعلوها ) أي : الألوهية ( عين الصورة ) لفظا من غير إشعار بحرف التشبيه المحذوف ، بل جعلوا قولهم : ابن مريم مانعا لتقديره لإشعاره باتحاد الجهتين بلا تشبيه ، ولكنهم ( ما فعلوا ) أي : ما قصدوا نسبة الألوهية إلى المسيح ، وما جعلوها عين صورته البشرية . ( بل جعلوا الهوية الإلهية ابتداء ) أي : في أول الكلام ظاهرة ( في صورة بشرية ) بظهوره في الروح المتعلق بهذه الصورة ، فكأنه ظاهر فيها وجعلوا آخر الكلام دالا على أن هذه الصورة ، وإن ظهرت فيها الهوية الإلهية ( هي ابن مريم ، ففصلوا ) أي : قصدوا الفصل والفرق ( بين الصورة والحكم ) بالإلهية ، وجعلوا لكل واحدة جهة منفصلة عن الأخرى ( لا أنهم جعلوا الصورة عين الحكم ) بالإلهية ، وإن أتوا بلفظ ستشعر بذلك مانع من تقدير حرف التشبيه ، وكيف يقصدون ذلك ولا شك أن هذه الألوهية بالإحياء ، وقد كانت هذه الصورة البشرية مدة بلا إحياء ، ثم ثبت له الإحياء والمتأخر لا يكون غير المتقدم . [ كما كان جبرائيل في صورة البشر ولا نفخ ، ثمّ نفخ ، ففصل بين الصّورة والنّفخ وكان النّفخ من الصّورة ، فقد كانت ولا نفخ ، فما هو النفخ من حدّها الذّاتي ؟